السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
689
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ بقوله - وهو في معنى التعليل - : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا . وقد تبين مما مر أن تزكيته تعالى وإن كانت مطلقة تشمل التزكية العملية والتزكية القولية لكنها تنطبق بحسب مورد الكلام على التزكية القولية . قوله تعالى : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا الفتيل فعيل بمعنى المفعول من الفتل وهو اللي قيل : المراد به ما يكون في شق النواة ، وقيل : هو ما في بطن النواة ، وقد ورد في روايات عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام : أنه النقطة التي على النواة ، والنقير ما في ظهرها ، والقطمير قشرها ، وقيل : هو ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ ، وكيف كان هو كناية عن الشيء الحقير الذي لا يعتد به . وقد بان بالآية الشريفة أمران : أحدهما : أن ليس لصاحب الفضل أن يعجبه فضله ويمدح نفسه بل هو مما يختص به تعالى فإن ظاهر الآية أن اللّه يختص به أن يزكي كل من جاز أن يتلبس بالتزكية فليس لغير صاحب الفضل أيضا أن يزكيه إلّا بما زكاه اللّه به ، وينتج ذلك أن الفضائل هي التي مدحها اللّه وزكاها فلا قدر لفضل لا يعرفه الدين ولا يسميه فضلا ، ولا يستلزم ذلك أن تبطل آثار الفضائل عند الناس فلا يعرفوا لصاحب الفضل فضله ، ولا يعظموا قدره بل هي شعائر اللّه وعلائمه ، وقد قال تعالى : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( الحج / 32 ) ، فعلى الجاهل أن يخضع للعالم ويعرف له قدره فإنه من اتباع الحق وقد قال تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( الزمر / 9 ) ، وإن لم يكن للعالم أن يتبجح بعلمه ويمدح نفسه ، والأمر في جميع الفضائل الحقيقية الإنسانية على هذا الحال . وثانيهما : أن ما ذكره بعض باحثينا ، واتبعوا في ذلك ما ذكره المغاربة أن من الفضائل الإنسانية الاعتماد بالنفس أمر لا يعرفه الدين ، ولا يوافق مذاق القرآن ، والذي يراه القرآن في ذلك هو الاعتماد باللّه والتعزز باللّه قال تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ